صناعة إنسان

ظلم الرجال ..لإنفسهم

اليوم سوف أكون الأخت والسند لكل أبناء آدم ، حديثي عنكم أيها الرجال

لطالما كنت ومازلت أحمل قضية المرأة على عاتقي واسعى في تقديم يد العون والمساندة لكل بنات حواء ..

ولكن اليوم سوف اكتب احتراماً وتقديراً لك أيها الرجل وسوف أتحدث معك حديث الأخت و الابنة والزوجة والأم ممتنة لوجودك سنداً داعماً لنا ..

حالياً أقرأ كتاب عن ” أزمة منتصف العمر الرائعة ” للكاتبة إيدا لوشان نصحتني به صديقة عزيزة وقريبة جداً إلى قلبي ـــ الكتاب يحكي زوايا عميقة عن مرحلة منتصف العمر ..

منتصف العمر كما صنفوها الخبراء تنقسم إلى قسمين : المرحلة المبكرة من 20 إلى 40 عاماً و المرحلة المتقدمة من 40 إلى 60 عاماً ، وأنا الآن في نهايات المرحلة المبكرة لمنتصف العمر ..

الكتاب شيق وعميق وكان هنالك فصل لك أنت أيها الرجل بعنوان ” ظلم الرجال .. لأنفسهم ” دعني أخبرك ببعض ما ورد في هذا الفصل لعله يفتح لك زوايا كانت غائبة ويجعلك أكثر وعياً وحضوراً لهذه المرحلة ..

تقول إيدا لوشان ” لقد كان الفرق مذهلاً بين حديث الرجال وحديث النساء عن شعورهم بمنتصف العمر لم تشعر المرأة بالامتعاض وهي تطلعني عن مشاعرها وخبرتها وما مرت به بينهما الرجال فكانوا مستاءين وضجرين وغير مرتاحين للحديث عن هذه المرحلة ، فظهر للباحثة أن الرجال هم أكثر تعاسة من النساء في هذه المرحلة , يهربون عن مواجهة ذواتهم ..

إن ثقافة مجتمعنا التي نشأنا عليها تمنع الرجل من البكاء والتعبير عن مشاعره و تشعره بالمسؤولية الكاملة عن الزوجة والأبناء  وغياب قدرة الرجل على البوح بكل ما يمر به يجعل ذلك يترسب في داخله إلى أن يفقده أشياء جميلة من روحه ، يشعر الرجل في مرحلة منتصف العمر أنه يجري بخطوات متسارعة ليوفر لأسرته المزيد من الأشياء التي لا تمثل حاجة فعلية للإنسان ، في زمن أصبحت الكماليات من الأساسيات  مع الأسف فينسى ذاته خلال هذا الجري المتواصل ولا يستمتع بوقته مع صحبة عائلته التي يركض من أجلها

هنالك عشرات الآلاف من رجال عاشوا حياة قصيرة مجهدة في محاولة إرضاء تصورات الآخرين عنهم ، نعلم أن أبشع الجرائم هي أن يقتل الإنسان إنسانًا آخر ولكني أرى أن ما يعادل هذه هو أن يقتل الإنسان نفسه تدريجياً ، بأن يعيش حياة القلق والتوتر خالياً من أن يشعر بالبهجة والسعادة كل تركيزه على ما ينبغي أن يكون ، تتمتع النساء هنا بوعي أكبر عن أنفسهن ومشاكلهن ولديهن القدرة على الحديث والتعبير عن مشاعرهن وهن في حالة دائمة من الفصح والتقييم الذاتي لحياتهن فذلك يجعلهن أسرع في التقبل والتكيف والمرونة ومن ثم المضي قدماً .

يقول أحد الرجال  ” لم  أعد الرجل الذي تعودت أن أكونه وربما لم أكنه أبداً ” لقد نسي نفسه مع زحمة الحياة ، فأصبح غريباً بداخله ، ويقول أحدهم : ذات صباح و أنا أقوم بحلاقة ذقني في لمحة فجائية حادة وجدت أني لا اتعرف على نفسي كما لو أن الشخص الذي بالمرآة غريب عني ، كيف شاب شعري ورأيت الانتفاخ تحت عيني و خطوط جبهتي كانت صدمة رهيبة ..

إن الرجل في منتصف العمر يجد نفسه حزيناً وقلقاً من عمله ومن علاقاته الشخصية حبيس رؤية نفسه بمقاييس خارجية : ماذا يصنع ؟ كيف يبدو ؟ ماذا ينتج ؟ كم دخله ؟  

من أبرز ما يؤرق الرجال في عصرنا السريع هو استمراريته بالعمل وإمكانية استبداله في هذه المرحلة من العمر بشاب متخرج حديثاً ، ما يحتاجه الرجال في هذه العمر هو الانفتاح للمشاركة و فهم ما يدور حولهم و النظر إلى الداخل هل هذا يتوافق معي ، وما الذي علي تطويره بنفسي ، لا يقاوم التغيير بل يسبح مع التيار ، من يقاوم التغيير  ويريد أن يمكث في منطقة الراحة التي تعود عليها ، يشعر أن حياته العملية تتضاءل أو تنتهي باقترابه من سن الخمسين ويشعر بالقلق الشديد حول احتمالية فقدان عمله والخوف من البطالة في منتصف العمر قد ترجع أسبابها إلى ذكرى واقعة حدثت معه في الصغر عندما شاهد والده وقد سرح من عمله  ، فكان ذلك حافزاً للابن للتقدم والعمل والتوق إلى النجاح وعندما تقدم به العمر و بدأ يرى التغييرات الكبيرة التي تحدث في عمله فتظهر تلك الذكرى من جديد ويزداد قلقه وخوفه ، هنا لديه خياران أما يبدأ من جديد أو الجمود ..

طرح سؤال على عدد من النساء وقيل لهن إذ أتى زوجك وقال لك أنني غير سعيد في عملي واريد تركه ماذا ستفعلين؟ كانت أغلب الإجابات بأنها ستصدم للوهلة الأولى وستشعر بالقلق والخوف ولكنها سوف تدعم قراره وأنها مستعدة لتغيير نمط الحياة دام ذلك سوف يجعله ينطلق لمساحات لطالما ارادها

لا تفهم من كلامي أنني أدعوك إلى ترك العمل لا بالطبع بل أدعوك إلى التفكير والتعمق في أحوالك لماذا انطفى الوهج الذي كان يصدر منك وأنت في العشرين ما الذي حدث؟ هنا نحتاج إلى السكون وسماع دواخلنا والتوقف قليلاً على طرف الطريق ..

لديك مهمتين رئيسيتين :

المهمة الأولى : المواجهة الصعبة التي لم تفعلها من قبل بأن تتواصل مع نفسك ومشاعرك الحقيقية تسأل نفسك لماذا اتصرف على هذا النحو و تتأمل حياتك السابقة هل هي فعلاً تشبهني هل هذا أنا حقاً ؟هل أنا سعيد ؟

المهمة الثانية : أن تحرر نفسك من الشعور بالالتزام والواجب تجاه زوجتك وزملائك وأبنائك وجيران أن تفعل لأنك اخترت أن تفعل لأنك إنسان رائع وليس لأنك ملزم، النظرة من هذه الزاوية تجعلك تستمتع أكثر وتجعلك تنطلق من خلال ما تكتشفه عن نفسك

وأنت في محرابك تتأمل حياتك ،ضع خطوات مختلفة تحيا بها في عمرك القادم وجدد رسالتك الشخصية  ” الدور ” الذي تريد أن تكونه و مساهماتك التي تَسعدُ بها وتٌسعد من حولك

إن الإنسان يحتاج بين فترة وأخرى أن يهدأ ويسكن إلى داخله يستمع إلى حديث نفسه ..

يلملم الشتات والفوضى الداخلية التي يشعر بها .. يعيد ترتيب أفكاره ..يفهم مشاعره ..ثم يحدد اتجاهه القادم .. هذه الخلوات ليست ترفاً أو أمراً زائداً بل هي مهمة جداً جداً جداً حتى تحيا عمرك القادم وأنت سعيد مطمئن راضي بما حدث لك فيما مضى وبما سيكون في القادم ..

فهي حياة واحدة تعيشها .. من الظلم لنفسك أن تعيشها وأنت غريباً عن ذاتك ..

أضف تعليق