ينتهي اللقاء والبرنامج ثم تسألهم بعد أسبوع: ماذا بقي معك؟ فيتذكرون اللعبة ولا يتذكرون ما تعلّموه منها
هذا الموقف يعرفه كل من يعمل في التعليم أو الإرشاد أو التدريب أو التيسير أو الأنشطة ولا يعني أن البرنامج كان سيئًا، يعني غالبًا أن المتعلّم عاش النشاط ولم يمشِ الرحلة كاملة داخله
هنا ستجد الخريطة التي ستغير أسلوبك في العطاء: أربع محطات تحوّل التعلم العابر إلى تجربة نشطة وعميقة، ستعرف ما يقوله العلم عنها وكيف تخطط بها لقاءك القادم بورقة واحدة وأين تتعثر عادةً
في هذا المقال
لماذا تتوقف تجاربنا عند النشاط؟
كثيرًا ما نقيس لقاءاتنا بعدد الأنشطة التي قدّمناها، نحضّر لعبة للافتتاح ونشاطًا جماعيًّا في المنتصف وفيديو قبل الختام ويخرج اللقاء ممتعًا ومزدحمًا، لكن العمق لا يأتي من الكثرة
هناك أسباب تتكرر في الميدان:
- الوقت: حين يضيق الوقت أول ما نحذفه هو النقاش بعد النشاط، فنحتفظ بالتجربة ونحذف ما يمنحها معناها
- الخوف من الصمت: نسأل «ماذا لاحظتم؟» فيصمت المتعلّمون ثوانيَ قليلة فنجيب نحن، فيسمع المتعلّم المعنى منّا بدل أن يكتشفه بنفسه
- الخلط بين النشاط والتفاعل: أن يتحرك المتعلّم ويتكلم لا يعني أنه يتعلّم، وفي منهجية FIRST-ADLX عبارة أعود إليها دائمًا: لا يكفي أن يكون التعلّم نشطًا، يجب أن يكون نشطًا ومؤثرًا
- الختام المفتوح: ينتهي اللقاء بشكر وصورة جماعية دون خطوة يحملها المتعلّم إلى حياته، فتبهت التجربة مع أول أسبوع
النشاط العابر ينتهي بانتهاء الوقت، أما التجربة العميقة فرحلة يمشيها المتعلّم بنفسه وتستمر بعد خروجه من القاعة
ما يقوله العلم: التعلّم من الخبرة
قبل نحو تسعين عامًا كتب الفيلسوف التربوي جون ديوي في كتابه «الخبرة والتربية» (1938) أن الخبرات ليست كلها تربوية بالدرجة نفسها، بعض الخبرات يفتح للمتعلّم خبرات أغنى بعدها وبعضها يغلق الطريق أو يمرّ دون أثر ووضع معيارين هما:
- الاستمرارية أي أن تبني الخبرة على ما قبلها وتؤثر فيما بعدها
- التفاعل بين المتعلّم والموقف الذي يعيشه
ثم جاء ديفيد كولب في كتابه «التعلّم التجريبي» (1984) وبنى على ديوي وغيره نموذجًا صار من أشهر نماذج التعلّم في العالم، يعرّف فيه التعلّم بأنه العملية التي تتكوّن فيها المعرفة من خلال تحويل الخبرة، فالخبرة وحدها مادة خام والتعلّم يحدث حين نحوّلها
ويصف كولب هذا التحويل دورةً من أربع مراحل:
- الخبرة المحسوسة: يعيش المتعلّم موقفًا حقيقيًّا
- الملاحظة التأملية: يتأمل ما حدث من زوايا مختلفة
- التصور المجرد: يصوغ من تأمله فكرة أو مفهومًا
- التجريب النشط: يجرّب الفكرة في موقف جديد فتبدأ خبرة جديدة
المحطات الأربع التي أصمّم بها تقابل هذه المراحل، لكني صغتها بلغة الممارس وأضفت إلى كل محطة سؤالين: ماذا يفعل المتعلّم؟ وماذا يفعل الميسّر؟
وأين FIRST-ADLX من هذا؟
ومن منهجية FIRST-ADLX أخذت ثلاث أفكار تنظّم هذه الرحلة في التطبيق:
- «المتعلّم لا التعلّم»: نصمّم للإنسان الذي أمامنا بأفكاره ومشاعره وبيئته لا للمحتوى وحده
- نموذج RAR: زيادة الجاهزية ثم تيسير النشاط ثم المراجعة النشطة والمراجعة النشطة هي المكان الذي تعيش فيه محطتا «يتأمّلها» و«يكتشف معناها»: المعرفة تُستخرج من المتعلّمين لا تُلقى عليهم ثم يربط الميسّر ويثبّت
- تحويل التعلّم إلى أداء: معادلة بسيطة: النتائج = التعلّم × التطبيق، لو كان التعلّم عشرة من عشرة والتطبيق صفرًا فالنتيجة صفر وهذه وظيفة محطة «يطوّر ما اكتشفه»
المحطات الأربع: معناها ودورك وسؤالها
1) يعيشها
يدخل المتعلّم الموقف بنفسه ولا يسمع عنه، قد يكون الموقف لعبة أو حالة أو مهمة أو حوارًا أو تمرينًا قصيرًا، المهم أن يكون فيه شيء يحدث للمتعلّم لا شيء يُحكى له
دورك
تصمّم الموقف بعناية وتعطي تعليمات واضحة ثم تترك المساحة، لا تشرح المغزى قبل النشاط ولا في أثنائه
سؤالها: «ماذا حدث؟»
2) يتأمّلها
يتوقف المتعلّم ليرى ما فعله وما شعر به، هذه المحطة أكثر ما يُحذف حين يضيق الوقت وهي أكثر ما يصنع الفرق
دورك
تبطئ الإيقاع وتحمي لحظة التفكير، تسأل ثم تنتظر، فالصمت بعد السؤال ليس فشلًا بل هو المتعلّم يفكّر
سؤالها: «ماذا لاحظت في نفسك؟»
3) يكتشف معناها
يربط المتعلّم ما حدث بقدرة أو ميل أو قيمة فيه، هنا تتحول التجربة من «لعبنا لعبة» إلى «عرفت شيئًا عن نفسي»
دورك
تسمّي ما تراه دون أن تحكم: «لاحظت أنك أول من اقترح حلًّا حين تعقّد الأمر»، ثم تعيد السؤال إليه ليصوغ المعنى بكلماته
سؤالها: «ماذا يقول هذا عنك؟»
4) يطوّر ما اكتشفه
يحمل المتعلّم خطوة صغيرة خارج القاعة، خطوة واحدة محددة يستطيع فعلها هذا الأسبوع لا وعدًا كبيرًا
دورك
تساعده على تحديد الخطوة: ماذا سيفعل؟ متى؟ مع من؟ وإن استطعت تعود إليها في اللقاء القادم
سؤالها: «ما خطوتك القادمة؟»
حين تغيب محطة يتوقف الأثر عندها: إذا عاش المتعلّم التجربة فقط صنعنا ذكرى جميلة دون مخرجات تعلّم واضحة وإذا تأمل ولم يكتشف معنى بقي التأمل وصفًا وإذا اكتشف ولم يطوّر بهتت لحظة الاكتشاف مع أول أسبوع
الأداة: ورقة تخطيط لقاء بالمحطات
هذه الورقة أبسط طريقة لتخطيط لقاء بالمحطات الأربع، تملؤها مبكرًا قبل اللقاء وتضعها أمامك في أثنائه
كيف تملؤها خطوة بخطوة
- ابدأ من الأخيرة: اكتب أولًا: ما الخطوة التي أتمنى أن يحملها المتعلّم بعد اللقاء؟ ثم ارجع إلى الوراء
- اختر الموقف: ما النشاط الذي يعيش فيه المتعلّم شيئًا قريبًا من هذه الخطوة؟
- اكتب أسئلتك بالحرف: الأسئلة المرتجلة تخرج عامة («ماذا استفدتم؟»)، فاكتبها قبل اللقاء
- وزّع الوقت بعدل: قاعدة تقريبية: لا يأخذ «يعيشها» أكثر من نصف الوقت والباقي للمحطات الثلاث الأخرى
- احمِ المحطتين الأخيرتين: إن ضاق الوقت اختصر النشاط ولا تحذف التأمل أو الخطوة القادمة
مثال توضيحي: لقاء من 45 دقيقة عن العمل في فريق
بدائل حسب المتعلّمين والمجموعة
- المتعلّمون الصغار: بسّط سؤال التأمل إلى اختيار (وجه أو لون يعبّر عن شعوره) ثم اسأل «لماذا اخترته؟» واجعل الخطوة القادمة شيئًا يُفعل في البيت أو الصف غدًا
- اليافعون: يحتاجون أمانًا قبل أن يتكلموا عن أنفسهم، فابدأ التأمل بالكتابة الفردية ثم الثنائيات قبل المجموعة الكاملة
- الكبار والممارسون: اربط «يكتشف معناها» بعملهم مباشرة: «أين يظهر هذا في واقعك؟»
- المجموعة الكبيرة: التأمل في ثنائيات ثم يشارك ثلاثة أو أربعة فقط أمام الجميع والخطوة القادمة تُكتب على بطاقة
- المجموعة الصغيرة: تستطيع أن تسمع كل متعلّم في «يكتشف معناها» وهنا تكون التسمية أدق وأقرب
- اللقاء عن بُعد: التأمل في المحادثة الكتابية يعطي الخجولين فرصة والخطوة القادمة تُكتب في المحادثة ليقرأها الجميع
ثلاثة أخطاء شائعة
1) أن نجيب نحن عن سؤال التأمل
نسأل ثم ننتظر ثانيتين ثم نقول: «أكيد لاحظتم أن…»، فيصل المعنى جاهزًا ويفقد المتعلّم لذة اكتشافه
تجنّبه: عدّ في نفسك إلى خمسة قبل أن تتكلم وأعد صياغة السؤال بدل الإجابة عنه
2) سؤال عام في مكان سؤال محدد
«ماذا استفدتم اليوم؟» سؤال يدعو إلى إجابات محفوظة: «استفدنا كثيرًا»
تجنّبه: اسأل عن لحظة محددة: «متى شعرت بالحيرة أثناء النشاط؟ وماذا فعلت حينها؟»
3) خطوة قادمة كبيرة أو عامة
«سأكون أفضل في العمل الجماعي» نية جميلة لا خطوة
تجنّبه: اطلب الإجابة عن ثلاثة أسئلة: ماذا سأفعل؟ متى؟ مع من؟
من تجربتي
كانت ورشة عن أنماط الشخصية وفق نظرية DISC، من ضمن الأنشطة الأساسية تطبيق مقياس DISC ثم شرحت النظرية بطريقة تفاعلية: أذكر النمط وأسأل من ظهر لها في نتيجتها فترتفع الأيدي، ثم أسأل عن تصرفات أصحاب هذا النمط فتعلو الضحكات: «فعلًا هذي أنا!»
ومن هنا بدأت الحكاية تكبر، صاروا يكتشفون زوايا جديدة ثم يخمّنون أنماط من حولهم من العائلة والأصدقاء وبدأ الوعي يرتفع والحماس للمزيد: «يعني ما كان يقصد يسيء.. هذا نمطه» و«أنا أحاول يصير اجتماعي بس هذا نمطه» و«الحمد لله طلعت إنسانة طبيعية» وهكذا توالت التعليقات..
ثم جاءتني إحدى المشاركات وقالت: «لو حضرت هذه الورشة زمان كان ما انفصلت عن أبو الأولاد.. كان نمطه عكس نمطي تمامًا وكنت أحسبه يتحداني ويتقصد يضايقني وكانت المشاحنات لأن طرقنا مختلفة لو كان الوعي حاضرًا كان استفدنا من اختلافنا وكمّلنا بعض»
قلت لها: الوقت ما فات، كيف راح تستفيدين من هذه التجربة في الجاي؟
قالت: «سأعامل الناس كما يحبون أن يُعامَلوا لا كما أحب أنا».
هنا رأيت المحطات الأربع في إنسانة واحدة: عاشت التجربة وتأملتها واكتشفت أن الاختلاف لم يكن تحديًا إذا رافقه وعي وإدراك
ليس كل نشاط هو نشاط عابر.. بل كل نشاط مخطط له يتحول إلى تجربة عميقة تبقى حتى بعد انتهاء البرنامج
جرّبها
جرّبها في لقائك القادم
لا تغيّر لقاءك كله، اختر نشاطًا واحدًا تقدّمه عادةً وأضف بعده هذه الأسئلة:
«ماذا لاحظت في نفسك؟» و«ما خطوتك القادمة؟» ثم لاحظ ماذا تغيّر
وهذه الرحلة هي خريطة هذه المدونة، كل مقال فيها يقف عند محطة من المحطات الأربع بأداة تأخذها إلى لقائك القادم، فابدأ بالمحطة التي تشعر أنها تغيب عن لقاءاتك عادةً
أداة هذا المقال
ورقة تخطيط لقاء بالمحطات الأربع (أداة 01) جاهزة للطباعة في أدوات للتحميل
وإن أردت أن يصلك كل مقال جديد مع أداته اشترك في رسالة «نقطة وصل»
للاستزادة
- جون ديوي: الخبرة والتربية
Dewey, J. (1938). Experience and Education. New York: Macmillan. - ديفيد كولب: التعلّم التجريبي
Kolb, D. A. (1984). Experiential Learning: Experience as the Source of Learning and Development. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall. - منهجية FIRST-ADLX: تجربة معايشة المتعلّم النشطة المؤثرة (مادة برنامج إعداد الميسّرين والمصممين، 2020)


اترك تعليقًا