أبادر أم أستجيب؟

غلاف مقال «أبادر أم أستجيب؟» في بين النقاط: مفترق طريقين أحدهما مرجاني

هل أصنع أحلامي أم أُنتج أحلام غيري؟

هل أغيّر واقعي أم يغيّرني الواقع؟

هل أختار أم يُختار لي؟

هل أبادر أم أستجيب؟

تساؤلات كثيرة تحمل إجابات فلسفية طويلة، وتجتمع في فكرة واحدة: «بيدي القرار».

ولا أقصد أن كل ما يحدث لنا باختيارنا، فهناك أقدار وظروف لا نملكها. لكن بين ما يحدث لنا وما نفعله به مساحة يسكن فيها قرارنا.

«أكون أو لا أكون».. العبارة الشهيرة لشكسبير، إذا تأملناها وجدنا أبعادًا بلا حدود.

قالها هاملت وهو يقف حائرًا بين أن يواجه وأن يستسلم، ونحن نقف أمامها كل يوم بصور أصغر: أن نقول رأينا أو نسكت، أن نبدأ أو نؤجل، أن نختار طريقنا أو نمشي في الطريق المرسوم لنا.

ولعل جمال السؤال أنه لا يُجاب مرة واحدة في العمر، بل نجيب عنه كل يوم بأفعالنا.

حين نعيش في خطط غيرنا

خُلقنا في هذه الحياة ومُيّزنا عن سائر المخلوقات بالبصيرة وحرية الاختيار، فلا نجعل أنفسنا ضمن خطط الآخرين وتوقعاتهم، بل نكون كما نريد.

وكثيرًا ما نجد أنفسنا في تخصص اختاره الأهل، أو وظيفة اختارها المجتمع، أو صورة رسمها لنا من حولنا لما يجب أن نكون عليه. وليست المشكلة في أن يشاركنا الآخرون رأيهم، فهم غالبًا يريدون لنا الخير.. المشكلة حين يغيب صوتنا نحن عن القرار.

وأصعب ما في الأمر أننا قد نعيش سنوات في خطة غيرنا دون أن ننتبه، لأنها جاءت بصوت من نحب. لذلك يستحق أن نتوقف عند كل قرار كبير ونسأل: هل اخترت هذا لأنني أريده، أم لأنه المتوقع مني؟

ولا خطأ في أن نكون جزءًا من تحقيق خطة شخص آخر. المهم أن تكون لي خطتي، فإن تقاطعت أهدافنا كوّنّا تحالفًا مفيدًا لكلينا.

والفرق دقيق لكنه مهم: أن أمشي مع غيري لأن طريقينا التقيا، لا لأنني لا أملك طريقًا.

لا ندخل في هدف ما لنثبت أننا نستطيع، بل ندخل فيه لأننا نريده ولأنه يكمل جزءًا من رؤيتنا الكبيرة لذواتنا..

فالأهداف التي ندخلها لنثبت شيئًا للآخرين تتعبنا مرتين: مرة في الطريق، ومرة حين نصل فلا نجد فيها ما يشبهنا.

المبادر والمستجيب

لنكن أصحاب المبادرة وأصحاب التغيير الحسن لذواتنا أولًا ثم لمن حولنا..

ففاقد الشيء لا يعطيه. فلا ننشغل بإصلاح العائلة أو المجتمع أو الجيران وننسى أن نصلح ذواتنا أولًا.

ولنحذر أن نقع في دائرة المستجيب: خامل ساكن، وبمجرد أن يظهر له مثير ما إيجابًا أو سلبًا يبدأ بالتحرك والفعل.

المستجيب ينتظر أن يحدث شيء ليتحرك: كلمة تجرحه فيغضب، وفرصة تأتيه فيقبل، وأزمة تضغطه فيتغير. أما المبادر فيسأل قبل أن يُسأل: ماذا أريد؟ وما الخطوة التي أستطيع أن أبدأ بها اليوم؟ ولا يعني ذلك أن المبادر لا يتأثر بما حوله، بل أنه يختار كيف يستجيب.

وهذه الفكرة هي أولى العادات في كتاب ستيفن كوفي «العادات السبع للناس الأكثر فعالية»: أن نكون مبادرين، أي أن نتحمل مسؤولية اختياراتنا بدل أن نردّ كل ما يحدث لنا إلى الظروف.

ويفرّق كوفي في الكتاب نفسه بين «دائرة الاهتمام» وهي كل ما يشغلنا، و«دائرة التأثير» وهي ما نستطيع فعلًا أن نفعل فيه شيئًا. فالمبادرون يصرفون طاقتهم في الثانية فتتسع، بينما يستنزف المستجيبون طاقتهم في الأولى فيشعرون بالعجز.

القرار في التفاصيل الصغيرة

لندِر أولوياتنا بحكمة، فالجميع لديهم 24 ساعة في اليوم، والفرق فيمن يعيد ترتيب أولوياته ويصنع يومه كما يجب.

فليس الفرق في عدد الساعات، بل في من يقرر كيف تُصرف..

والمبادرة لا تحتاج دائمًا إلى قرارات كبيرة. قد تكون في أن نقول «لا» لالتزام لا يشبهنا، أو أن نخصص نصف ساعة لتعلم شيء نحبه، أو أن نبدأ الخطوة التي أجلناها طويلًا. فالتغيير الكبير غالبًا مجموعة قرارات صغيرة اتُّخذت بوعي.

لتكن لنا خطوات دائمة نحو التغيير الحسن بكامل إرادتنا..

نحن نعيش حياة دنيوية واحدة، فلنحرص على أن نعمر فيها ما ينفعنا في آخرتنا..

ولا ننشغل بما يقال أو بأفعال الآخرين، بل نوجّه تركيزنا إلى إصلاح ذواتنا وأن نعمل لأنفسنا أعمالًا خالدة تُبنى على نوايا صالحة.

لنسأل أنفسنا قبل النوم:

هل بذلت ما في وسعي لأجعل يومي رائعًا؟

ماذا سأضيف لأجعل الغد أفضل؟

سؤالان بسيطان، لكنهما يعيدان القرار إلى أيدينا كل ليلة: الأول يحاسب بلطف، والثاني يفتح بابًا للغد.

وإن لم يكن يومنا رائعًا، فالسؤال الثاني يمنحنا فرصة جديدة كل صباح.. فلا يوم ضائع تمامًا ما دمنا نتعلم منه. فالحياة ليست ما يحدث لنا فقط، بل ما نختار أن نصنعه بما يحدث لنا.

أخيرًا.. لنتذكّر أن كل يوم نعيشه هو مناسبة خاصة.

التعليقات

اترك تعليقًا