إلى كل أنثى..
إلى الجوهرة العظيمة التي انطفأ نورها الوهّاج يومًا بعد يوم..
إلى متى ستظلين عالقة في هذه الدائرة؟
ألم يحن الوقت لتعودي إلى وهجك من جديد؟
أكتب إليكِ وأنا أعرف هذا الانطفاء.. لا يأتي فجأة، بل يتسلل يومًا بعد يوم: موعد مؤجل، وهواية منسية، وحلم نقول عنه «بعدين»، حتى نستيقظ يومًا فلا نعرف متى غاب ذلك البريق من أعيننا.
وقد يكون الانطفاء صامتًا إلى درجة أن من حولنا لا يلاحظونه. نؤدي أدوارنا كاملة: نعمل ونربّي ونجامل ونبتسم في الصور، لكن شيئًا في الداخل خفت ولم يعد يضيء كما كان.
نعلم يقينًا أن الموت أمر حتمي لا مفر منه وأن الحياة قصيرة، وفي كل يوم نسمع عن فقد عزيز وغالٍ بشكل مفاجئ!
كيف أكون ميتة وأنا ما زلت أتنفس الهواء؟!
نموت عندما نسير مع أحداث الحياة بلا وعي: نسوّف أهدافنا وننسى أن نحلم، ونقول: نحن نسير كما تسير بنا الحياة. كأننا أحياء أموات «زومبي» مسيّرون نحو الأكل والنوم والترفيه ومشاهدة ما يحدث من حولنا فقط، دون النظر إلى حاجات الروح والعقل والقلب.
والموت بهذا المعنى ليس أن يتوقف القلب، بل أن تتوقف الدهشة: أن نرى كل شيء مألوفًا، فلا ننتظر من يومنا شيئًا ولا ننتظر من أنفسنا شيئًا.
كيف نعرف أننا نعيش كمشاهدات؟
حين تمرّ الأيام متشابهة فلا نتذكر ما يميز يومًا عن آخر..
حين نؤجل ما نحب إلى «بعد ما أخلص شغلي».. والشغل ما يخلص..
حين نعرف تفاصيل حياة المشاهير على الشاشات أكثر مما نعرف ما نحتاجه نحن..
حين نفرح لإنجاز غيرنا ولا نتذكر آخر مرة فرحنا فيها بإنجاز لنا..
حين ننام ونحن نفكر في الغد ونستيقظ ونحن متعبات من الأمس..
حين يصبح جوابنا عن «كيف حالك؟» كلمة واحدة: «ماشية»..
وليست هذه علامات ضعف، بل رسائل من الداخل تقول: هناك شيء يحتاج انتباهك.
عندما أعيش مشاهِدةً لأحداث الحياة فإنني أغيّب دوري الأساسي في عيش قصة حياتي الخاصة: أن أربّي وأساعد وأستمتع وأحب وأضحك وأحزن، وأعيش حاضري كما أريد أن أعيشه في حالة من السلام والبهجة والسعي، ولا أعلق في بُعد زمني آخر..
من يعلق في التفكير بالماضي يعيش حالة من الحزن على ما انتهى..
ومن يعلق في التفكير بالمستقبل يعيش حالة من القلق مما يخبئه الغد..
الماضي والمستقبل كلاهما يسرق الحاضر بطريقته: الأول بالحسرة والثاني بالخوف.. واللحظة الوحيدة التي نملكها فعلًا هي هذه التي تقرئين فيها الآن.
ولا يعني ذلك أن ننسى الماضي أو نهمل التخطيط للغد، بل أن نزور الماضي لنتعلم منه ونخطط للغد ثم نعود لنعيش اليوم.
أريدكِ أن تعيشي
أريدك أن تعيشي اليوم بكل تفاصيله حلوه ومرّه..
أن تتفاعلي مع أحداث حياتك..
أن تستشعري معنى: أنني ما زلت حيّة..
أن تتعلمي كيف تحيين حياة فاعلة ممتلئة بأفعالك أنتِ..
مسؤولة تمام المسؤولية عن نفسك واختياراتك..
وأن تعيشي لا يعني أن تكون أيامك كلها سعيدة، بل أن تكوني حاضرة فيها: تفرحين حين تفرحين وتحزنين حين تحزنين، ولا تمرّ بكِ الأيام وأنتِ غائبة عنها.
فهي حياة واحدة نعيشها، فعيشيها بكل تفاصيلها حتى إذا بلغتِ الثمانين ونظرتِ إلى الماضي وجدتِ أحداثًا ممتلئة نابضة بالحياة والأثر الحسن.
عليكِ أن تختاري طرح القلق والمخاوف وراء ظهرك، غير منشغلة البال بما لا تستطيعين تغييره، متجاهلةً شعورك بالذنب نحو كل ما هو خارج عن نطاق سيطرتك..
والشعور بالذنب من أثقل ما نحمله نحن النساء: ذنب التقصير مع الأبناء ومع الأهل ومع العمل ومع أنفسنا.. وكثير منه نحمله عن أشياء لم تكن بأيدينا أصلًا. فلنضعه عنا، ولنحتفظ فقط بما نستطيع أن نصلحه.
العودة لا تحتاج قفزة
والعودة إلى الوهج لا تبدأ بقرار كبير يقلب الحياة، بل بفعل صغير نختاره نحن: مكالمة لصديقة طال غيابها، صفحة من كتاب أحببناه، مشي ربع ساعة دون جوال، أو سؤال صادق نسأله لأنفسنا: ماذا أحتاج الآن؟
كل فعل نختاره بوعي يعيد إلينا شيئًا من نورنا، وكل يوم نعيشه حاضرات فيه هو يوم استعدناه من الانطفاء.
ولا بأس أن نبدأ صغيرات. فالنور الذي فينا لا يختفي، بل تغطيه طبقات من التعب والنسيان ننفضها عنه واحدة بعد الأخرى.
ولنُحِط أنفسنا بمن يذكّرنا بنورنا: صديقة تعرفنا حق المعرفة، أو مجلس يشبهنا، أو مساحة نتعلم فيها شيئًا جديدًا. فالوهج يزيد بالقرب ممن يضيء.
وبالنسبة لي، لطالما كان التدوين والكتابة مصباحي السحري الذي يضيء لي ويفتح زوايا تخبرني بالكثير.. وأنتِ، ما فعلكِ الذي يكون «مصباحك السحري» فيفتح ما كان مغلقًا؟
ختامًا: حياتك محدودة، فعيشيها بالبهجة والسرور وفي سلام وتصالح مع الذات..
وعودي إلى بريقك أيتها الجوهرة.. ما زال فيكِ نور يستحق أن يُرى.


اترك تعليقًا