أساؤوا إليه بكلمة، فبماذا ردّ؟
في الجمعة الثانية من «من أحصاها» نكمل مع أسماء اللطف والرحمة، ونقف مع اسمٍ ثبت في السنة الصحيحة: الرفيق
رحلة الاسم في أربع محطات
١. أعيشه
دخل رهطٌ من اليهود على النبي ﷺ فقالوا: «السام عليك»، والسام هو الموت، ففهمتها عائشة رضي الله عنها فلم تحتمل وردّت: «بل عليكم السام واللعنة»
فالتفت إليها وقال:
«يا عائشة، إن الله رفيقٌ يحب الرفق في الأمر كله»
عن عائشة رضي الله عنها · رواه البخاري: 6927
قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: «قد قلتُ: وعليكم»

لم يسكت عن الإساءة ولم يقابلها بمثلها، ردّ الحق في كلمة واحدة وحفظ لسانه عمّا زاد عليها
هذا هو الرفق: ليس ضعفًا ولا سكوتًا عن الحق، بل أن تأخذ الأمر بلينٍ وتأنٍّ وتعطيه قدره لا أكثر، والذي علّمنا إياه هو الله، فهو رفيقٌ ويحب الرفق في عباده
٢. أتأمله: أين ظهر في حياتي؟
توقف قليلًا مع هذه الأسئلة ولا تستعجل الإجابة:

- متى أخطأتَ فلم يأخذك الله بخطئك فورًا وأمهلك حتى رجعت؟
- ما الأمر الذي أخذته بالتدرج فثبتَ معك، وما الذي استعجلته فانقطع؟
- مع من تحتاج أن تكون أرفق هذا الأسبوع: نفسك أم أهلك أم من تعلّمه وتربّيه؟
اكتب إجاباتك في ورقة الجمعة، فالرفق يبدأ من أن ترى كم رُفق بك
٣. أكتشف معناه
في اللغة: الرفق ضد العنف، وهو اللين والتسهيل، والرفيق: الكثير الرفق
وفي حق الله تعالى قال السعدي: الرفيق «مأخوذ من الرفق الذي هو التأني في الأمور والتدرج فيها، وضده العنف الذي هو الأخذ فيها بشدة واستعجال»، ويظهر رفقه سبحانه في ثلاثة:

رفيق في خلقه
خلق المخلوقات شيئًا فشيئًا بحكمته وهو قادر أن يخلقها في لحظة
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ (الأعراف: 54)
رفيق في شرعه
لا يأخذ عباده بالتكاليف الشاقة مرة واحدة، بل يتدرج بهم حتى تألفها نفوسهم، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «إنما نزل أول ما نزل منه سورةٌ من المفصّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا» (البخاري: 4993)
رفيق في معاملة عباده
لا يعاجلهم بالعقوبة ويمهلهم ليتوبوا، قال الخطابي: «ليس بعجول، وإنما يعجل من يخاف الفوت»
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ﴾ (فاطر: 45)
وهو سبحانه يحب الرفق من عباده ويجزي عليه بما لا يجزي على غيره، وفي ذلك يقول ابن القيم في نونيته:
وهو الرفيقُ يحبُّ أهلَ الرفقِ بل … يعطيهمُ بالرفقِ فوقَ أمانِ
أي يعطيهم فوق ما يتمنون، كما شرحه ابن عثيمين
الرفيق في السنة
لم يرد الاسم في القرآن وثبت في أحاديث صحيحة، قال النووي: «الصحيح جواز تسمية الله تعالى رفيقًا وغيره مما ثبت بخبر الواحد»

- عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «يا عائشة، إن الله رفيقٌ يحب الرفق في الأمر كله» (رواه البخاري: 6927)
- عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «يا عائشة، إن الله رفيقٌ يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه» (رواه مسلم: 2593)
- عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ قال: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا يُنزع من شيء إلا شانه» (رواه مسلم: 2594)
- عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «من يُحرَم الرفق يُحرَم الخير» (رواه مسلم: 2592)
- عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقّ عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» (رواه مسلم: 1828)
وتجد أسانيدها كاملة في آخر التدوينة
٤. أعمل به هذا الأسبوع
معرفة الاسم تثمر في القلب أولًا ثم في السلوك:

في قلبي
- أرفق بنفسي في التغيير: أختار عادة واحدة صغيرة وأثبت عليها، كما تدرّج الشرع مع الناس ولم يأخذهم بكل شيء مرة واحدة
- أطمئن: إمهال الله لي ليس غفلة عني، بل رفقٌ ليعيدني إليه
مع الناس
- أرفق في الرد: قال ﷺ «وعليكم» ولم يزد، فأختار هذا الأسبوع موقفًا أقول فيه الحق في كلمة هادئة بدل الحدة
- ألين في القول: أُمر موسى وهارون أن يقولا لفرعون ﴿قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ (طه: 44)، فمن معي أولى بلين كلامي
- أرفق بمن أنا مسؤول عنه: ولدٌ أو متعلّم أو زميل، أخفف عنه ما يشق عليه، ودعاء النبي ﷺ لمن رفق بأمته «فارفق به» أرجوه لي
أدعوه به
«يا رفيق، ارفق بي في أمري كله، وارزقني الرفق في قولي وعملي»
حمّل الرفيق
التدوينة: خلاصتها في صفحتين للقراءة والحفظ
ورقة الجمعة: ورقة واحدة للطباعة فيها الحديث والمعنى وأسئلة التأمل وجدول الأسبوع ومكان لتكتب فيه، اجمعها كل جمعة لتصير في آخر الرحلة كتابك أنت
والجمعة القادمة نكمل في مجموعة أسماء اللطف والرحمة مع اسم الرؤوف، وتجد الرحلة كاملة بأسمائها التسعة والتسعين في صفحة «من أحصاها»
أسانيد الأحاديث
- «يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله»
البخاري (6927)، كتاب استتابة المرتدين: حدثنا أبو نعيم عن ابن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، وأخرجه مسلم (2165) - «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل…»
البخاري (4993)، كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن: حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال وأخبرني يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها - «إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف»
مسلم (2593)، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق: حدثنا حرملة بن يحيى التجيبي أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرني حيوة حدثني ابن الهاد عن أبي بكر بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي ﷺ - «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه»
مسلم (2594)، الباب نفسه: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي حدثنا شعبة عن المقدام بن شريح بن هانئ عن أبيه عن عائشة زوج النبي ﷺ - «من يُحرم الرفق يُحرم الخير»
مسلم (2592)، الباب نفسه: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان حدثنا منصور عن تميم بن سلمة عن عبد الرحمن بن هلال عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه - «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا…»
مسلم (1828)، كتاب الإمارة: حدثني هارون بن سعيد الأيلي حدثنا ابن وهب حدثني حرملة عن عبد الرحمن بن شماسة عن عائشة رضي الله عنها
من أحصاها | الجمعة ٢ من ٩٩ · وفق قائمة الشيخ ابن عثيمين في «القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى» · بيت «وهو الرفيق» من نونية ابن القيم


اترك تعليقًا