الرؤوف.. إن الله بالناس لرءوف رحيم

من أحصاها، الجمعة ٣: الرؤوف، رؤوف بعباده يدفع عنهم ما يخافون

خافوا على صلاة من مات قبلهم، فبماذا أجابهم الله؟

في الجمعة الثالثة من «من أحصاها» نكمل مع أسماء اللطف والرحمة، ونقف مع اسمٍ ورد في القرآن عشر مرات: الرؤوف

١. أعيشه

صلّى النبي ﷺ والمسلمون معه نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر، ثم تحوّلت القبلة إلى الكعبة وبقي سؤال في القلوب: إخوانهم الذين ماتوا وقُتلوا وهم يصلّون إلى القبلة الأولى، ما حال صلاتهم؟

قال البراء بن عازب رضي الله عنه:

«فلم ندرِ ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾»

عن البراء بن عازب رضي الله عنه · رواه البخاري: 40

وختم الله الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 143)

صلّوا نحو بيت المقدس ثم تحوّلت القبلة فسألوا عمن مات قبلها، فنزل: وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم

لم يتركهم مع حيرتهم، فنزل الجواب يطمئنهم على من مضى، قال الطبري في معناها: «ولا تحزنوا عليهم، فإني غير مؤاخذهم بتركهم الصلاة إلى الكعبة، لأني لم أكن فرضت ذلك عليهم، وأنا أرأف بخلقي من أن أعاقبهم على تركهم ما لم آمرهم بعمله»

هذه هي الرأفة: أن يدفع الله عنك ما تخاف ويرفع عن قلبك الهمّ، فالرحمة تسوق إليك الخير والرأفة تصرف عنك الأذى، والله رؤوف رحيم

٢. أتأمله: أين ظهر في حياتي؟

توقف قليلًا مع هذه الأسئلة ولا تستعجل الإجابة:

ثلاثة أسئلة للتأمل في رأفة الله: خوف صرفه الله عنك، وطمأنينة جاءت بعد قلق، وهمّ تخففه عن غيرك بكلمة
  • ما الذي خفتَ منه طويلًا ثم صرفه الله عنك أو هوّنه عليك؟
  • متى أقلقك أمرٌ مضى ثم جاءتك الطمأنينة من حيث لا تحتسب؟
  • من حولك يحمل همًّا تستطيع أن تخففه عنه بكلمة هذا الأسبوع؟

اكتب إجاباتك في ورقة الجمعة، فالرأفة تبدأ من أن تلاحظ كم من الأذى صُرف عنك وأنت لا تدري

٣. أكتشف معناه

في اللغة: الرأفة أشد الرحمة وأرقّها، والرؤوف: الشديد الرأفة، قال الطبري: «والرأفة أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا ولبعضهم في الآخرة»

الفرق بين الرأفة والرحمة: قال ابن عاشور: «والرأفة: رقة تنشأ عند حدوث ضر بالمرءوف به… والرحمة: رقة تقتضي الإحسان للمرحوم»، فالرحمة تعطيك الخير والرأفة تدفع عنك الضر وقال ابن الأثير: «الرأفة أرق من الرحمة ولا تكاد تقع في الكراهة، والرحمة قد تقع في الكراهة للمصلحة»، لذلك قال تعالى في إقامة الحد: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (النور: 2)، فالعقوبة قد تكون رحمة بصاحبها لكنها لا تكون رأفة

وفي حق الله تعالى قال السعدي في آية القبلة: «شديد الرحمة بهم عظيمها، فمن رأفته ورحمته بهم أن يتم عليهم نعمته التي ابتدأهم بها» وتظهر رأفته سبحانه في ثلاثة:

رأفة الله في ثلاثة: رؤوف في خلقه وفي شرعه وفي معاملة عباده، والرأفة تدفع الضر والرحمة تسوق الخير

رؤوف في خلقه
سخّر لعباده ما يحمل عنهم الثقل والمشقة
﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 7)

رؤوف في شرعه
لا يحمّل نفسًا ما لا تطيق، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: لمّا نزلت ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ «دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء»، فأنزل الله ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقال بعد كل دعاء منها: «قد فعلتُ» (مسلم: 126)

رؤوف في معاملة عباده
يحذّرهم قبل أن يعاقبهم ويتوب عليهم بعد الضيق
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (آل عمران: 30)، قال الحسن البصري: «من رأفته بهم أن حذّرهم نفسه» وقال تعالى في الذين اتبعوا النبي ﷺ في ساعة العسرة: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 117)

الرؤوف في القرآن

ورد الاسم في القرآن عشر مرات: ثمانٍ مقترنًا بالرحيم ومرتين «رءوف بالعباد» ووصف الله به نبيه ﷺ فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 128)، قال السعدي: «أي: شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم»

اسم الرؤوف في القرآن: عشرة مواضع، ثمانية منها مقترنة بالرحيم، ووصف الله به نبيه ﷺ في سورة التوبة

ومن رأفته ﷺ في السنة:

  • عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطوّل فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوّز في صلاتي كراهية أن أشقّ على أمه» (رواه البخاري: 707)
  • عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي ﷺ رفع يديه وقال: «اللهم أمتي أمتي» وبكى، فقال الله عز وجل: «يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك» (رواه مسلم: 202)

وتجد أسانيدها كاملة في آخر التدوينة

٤. أعمل به هذا الأسبوع

معرفة الاسم تثمر في القلب أولًا ثم في السلوك:

أعمل باسم الرؤوف: في قلبي أطمئن على ما مضى وأرى رأفته في التنبيه، مع الناس أطمئن القلق وأخفف عمن معي وأدعو لمن سبقني، وأدعوه به

في قلبي

  • أطمئن على ما مضى: ما عملته لله بنية صادقة لا يضيع، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾
  • أرى رأفته في التنبيه: كل موقف يوقظني قبل أن أقع هو من رأفته بي لا من قسوة الطريق

مع الناس

  • أطمئن القلِق: أختار هذا الأسبوع شخصًا يحمل همًّا وأقول له كلمة تطمئنه، كما طمأن الله الصحابة على إخوانهم
  • أخفف عمّن معي: كان ﷺ يخفف صلاته رأفة بأمٍّ تسمع بكاء صغيرها، فأراجع ما أطلبه ممن أعلّمه أو أربّيه وأرفع عنه ما يشق عليه بلا فائدة
  • أدعو لمن سبقني: كما سأل الصحابة عن إخوانهم الذين ماتوا، أذكر في دعائي من سبقني من أهلي وأحبتي

أدعوه به
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر: 10)
«يا رؤوف، اصرف عني ما أخاف وأنزل على قلبي الطمأنينة فيما مضى وما بقي»

حمّل الرؤوف
التدوينة: خلاصتها في صفحتين للقراءة والحفظ
ورقة الجمعة: ورقة واحدة للطباعة فيها الآية والمعنى وأسئلة التأمل وجدول الأسبوع ومكان لتكتب فيه، اجمعها كل جمعة لتصير في آخر الرحلة كتابك أنت

والجمعة القادمة نكمل في مجموعة أسماء اللطف والرحمة مع اسم الحليم، وتجد الرحلة كاملة بأسمائها التسعة والتسعين في صفحة «من أحصاها»

أسانيد الأحاديث

  1. «فلم ندرِ ما نقول فيهم، فأنزل الله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾»
    البخاري (40)، كتاب الإيمان، باب الصلاة من الإيمان: حدثنا عمرو بن خالد قال حدثنا زهير قال حدثنا أبو إسحاق عن البراء رضي الله عنه
  2. «دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء… قال: قد فعلت»
    مسلم (126)، كتاب الإيمان: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب وإسحاق بن إبراهيم (واللفظ لأبي بكر) قالوا حدثنا وكيع عن سفيان عن آدم بن سليمان مولى خالد قال سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس رضي الله عنهما
  3. «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطوّل فيها فأسمع بكاء الصبي»
    البخاري (707)، كتاب الأذان، باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي: حدثنا إبراهيم بن موسى قال أخبرنا الوليد قال حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أبي قتادة رضي الله عنه
  4. «اللهم أمتي أمتي… إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك»
    مسلم (202)، كتاب الإيمان: حدثني يونس بن عبد الأعلى الصدفي أخبرنا ابن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدثه عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما

من أحصاها | الجمعة ٣ من ٩٩ · وفق قائمة الشيخ ابن عثيمين في «القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى»

التعليقات

⁦2⁩ استجابات لـ “⁦الرؤوف.. إن الله بالناس لرءوف رحيم⁩”

  1. صورة أفاتار Suha✨
    Suha✨

    ما أجمل هذه المعلومات التي تفتح لنا أبوابًا جديدة لمعرفة الله والقرب منه ,,

    شكرًا لكِ على هذا الطرح الجميل والنافع، وأسأل الله الرؤوف أن يغمركِ بلطفه ورأفته، وأن يرأف بقلبكِ في كل أمر، ويجعل لكِ من رحمته وطمأنينته نصيبًا لا ينقطع.

    Liked by 1 person

  2. صورة أفاتار ‏sulafah
    ‏sulafah

    بوركت جهودك ،طرح ثري ،وعمل ينتفع به أسأل الله لنا ولكِ الرأفة والرحمة في جميع أمورنا

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا